درب المترجم المبتدىء: هل فعلا تود أن تصبح مترجما؟ لكن ماذا عن السؤال الجوهري؟

 

أود من خلال هذا التقديم البسيط والمقتضب جدا أن أتطرق إلى بعض النقاط التي ارتأيت أنها قد تكون مفيدة للمترجمين المبتدئين، مثلي تماما، والتي من شأنها أن تعبد لهم وإيانا الطريق نحو عالم الترجمة الاحترافية التي نصبوا جميعا للوصول إليها. هذه أول تدوينة أكتبها والتي أتمنى أن تكون فاتحة لسلسلة من المقالات الأخرى حول الدرب المؤدي إلى عالم الاحتراف في الترجمة، أقول الدرب للوصول إليه وليس الحديث عنه لأنني لست سوى مبتدئ يشق طريقه في خطواته الأولى. سأحول في هذا التقديم الإجابة عن سؤال واحد لا بد وأن كل واحد منا طرحه على نفسه ولو لمرة: ماذا بعد؟ ما هي المرحلة التالية بعد التخرج والحصول على دبلوم المترجم؟

فبعدما نفرغ من الدراسة في أي مجال من مجالات الحياة يتملكنا خوف من المستقبل لأن ذلك يعتبر منعطفا مهما جدا في حياة أي شخص كان. نترك وراء ظهورنا حياة الطالب التي امتدت سنوات وسنوات ونجد أنفسنا وسط سوق العمل وجها لوجه أمام ذلك الواقع الذي يحتم على كل من دخل إليه أن يبحث عن شتى الطرق لفرض وجوده داخله. وأقول يتملكنا الخوف لأنها تجربة غير سابقة (أو على الأقل ليس بدوام كامل) ولا تكون لنا أفكار واضحة عن كيفية البداية. حتى ذلك الوقت الشيء الوحيد الذي كنا نعرف في الحياة هي الدراسة.

بعد هذه المقدمة الافتتاحية يأتي السؤال المحوري والذي يجب على كل متخرج حديث من مدرسة الترجمة أن يطرحه على نفسه قبل أن يقول “ماذا بعد؟” وقبل أن يقدم على أي خطوة. إنه تساؤل أساسي ومنطقي وذو أهمية بالغة رغم أنني على يقين أن الأغلبية الساحقة من المترجمين لا يلقون له بال: هل أود فعلا أن أكون مترجما وأن أكسب رزقي من الترجمة؟

هناك العديد من الطلاب من يختارون دراسة الترجمة لمجرد حبهم للغات، وهو شيء محمود، لكن إن أردنا أن نصبح مترجمين فلا يجب أن نحب اللغات بل أن نحب الترجمة وكل ما يتعلق بها. إذا لم تكن تستهوينا فكرة القضاء ساعات طوال جالسين أمام الحاسوب في معركة مع المصطلحات التي نجهلها والتي لا نجد معناها في أي مكان، أو فكرة إجهاد أنفسنا مع البرامج المعلوماتية التي قد تخذلنا في أي لحظة وتتركنا نقلب كفينا على ما أضعنا من وقت هباء، أو الصراع مع الزبائن الذين لا يهمهم كل ما تمر به ويظلون يرددون عبارة “أريده للغد”، فإذا لم يكن يستهوينا كل ما سبق فمن الأفضل أن نراجع أفكارنا قبل الإقدام على خطوات أخرى في هذا المجال.

إذن لكي نقرر هل فعلا نريد أن نزاول مهنة الترجمة أم لا فيجب تعريف المعنى الحقيقي لهذه المهنة وأن نزيل عنها تلك الأفكار الخيالية الخاطئة التي تروج حولها: ذلك المترجم المشهور الذي يعمل في الأمم المتحدة أو الذي يترجم كتبا كثيرة وهو يستمتع بكل كلمة ترجمها وهو ذلك “المواطن العالمي” الذي يجول العالم و الذي يعيش حياة بوهيمية… لا بل تلك أفكار وهمية لا أساس لها من الصحة. إن الواقع أقل مثالية من ذلك، فمعظم المترجمين يعيشون على ترجمة نصوص عادية جدا خالية من كل ذلك التشويق، كالعقود أو كتب تعليمات لجهاز ما أو ترجمة مواقع الكترونية للشركات أو بعض الإشهارات… نظل قابعين في المنزل جالسين أمام الحاسوب 8 أو 10 أو 12 ساعة (كل حسب قدرته الجسدية و العقلية) ننقر بأصابعنا أحرف الحاسوب بكل ما أوتينا من سرعة لإنهاء الترجمة في الوقت المتفق عليه. لن أقول أن عملنا في الترجمة سيكون دائما كذلك ربما أكون قد بالغت قليلا لكن أرى أن هذه النظرة أقرب منها إلى الواقع من تلك التي قد نكونها عن الترجمة بقصد أو بغير قصد. ليس الغرض من محاولة عرض هذه الحقائق هو إحاطة المترجمين الجدد بالتشاؤم والسوداوية من أول الطريق بل العكس من ذلك فهي محاولة تهييء المترجم نفسيا لكي لا يخيب ظنه بعد اختياره لهذه المهنة وهو حامل مسبقا أفكارا مثالية بعض الشيء.

إذا فرغت من قراءة هذه الأسطر ومازالت لديك الهمة و الرغبة في مزاولة الترجمة وتيقنت أن هذا هو دربك في الحياة فالخطوة التالية هي أن تقرر ما إذا كنت تود العمل كمترجم حر (freelance) أو داخل وكالة للترجمة الذي يعتبر طبعا الخيار الأمثل كبداية لأنه يتيح لك فرصة للاحتكاك بمترجمين من شتى التخصصات قد يمدوا لك يد العون عند الضرورة كمراجعة ترجمتك، ومن إيجابيات هذا الخيار أيضا حصولك على راتب شهري وتوقيت قارين. غير أن أغلبيتنا نعمل كمترجمين مستقلين: البعض منا يضطر لمزاولة عمل أخر بالإضافة إلى الترجمة ليسد تلك الثغرة التي تحدثها حداثة عهده بعالم الترجمة ريثما يصبح له مدخول قار يسمح له بالعمل كمترجم حر بدوام كامل.

وأنتم ما هي وجهات نظركم؟

4 comments

  1. من وجهة نظري الخاصة، فمرحلة ما بعد التخرج والحصول على دبلوم مترجم تحريري هي البحث عن إضافة تكوين آخر في تخصص آخر لإثراء تكويننا ولكي لا نظل محدودي الإمكانيات المعرفية والمهاراتية. فكلما كانت السيرة الذاتية غنية بتكوينات مختلفة كلما ارتفعت نسبة إيجاد عمل أفضل براتب أفضل. وأستحضر في هذا السياق النصيحة التي أسداها لنا أستاذنا المحترم مراد زروق ذات مرة : “لاتجعلوا من الترجمة مهنتكم الواحدة والوحيدة، ذلك أنها وكما نقول بالعامية “مكتوكلش طرف د الخبز”. إذ أنه ينبغي علينا إضافة تكوينات أخرى مختلفة لتكميل تكويننا في الترجمة. فدبلوم الترجمة وحده ليس كافيا على حد علمي. وهذا القول يتناسب وواقعنا الحالي وخصوصا بالنسبة إلى المتخصصين في الترجمة الإسبانية، فكما لا يخفى على الجميع، تراجعت اللغة الإسبانية بشكل كبير في السنوات الأخيرة وأضحى سوق الشغل بحاجة أكثر لمن يثقن اللغة الإنجليزية والفرنيسة. أما اللغة الإسبانية فحظوظها جد محدودة خصوصا في الدار البيضاء والرباط وغيرهما من المدن الأخرى. أما في مدن شمال المغرب فيمكن أن نجد حظوظا أوفر من ذلك. إن كنت أتحدث عن هذا فذلك انطلاقا من تجربتي الشخصية، قررت أن أتبع نصيحة الأستاذ مراد زروق، فولجت عالم الصحافة والإعلام لتكميل تكويني وإثراءه، بحكم أن له علاقة وطيدة مع ميدان الترجمة. وخلاصة القول، تتلخص المرحلة الموالية بعد الحصول على دبلوم مترجم تحريري في البحث عن تكوين آخر في تخصص مختلف بالإضافة إلى دراسة اللغة الإنجليزية والفرنسية لإتقانهما، إذ أن ذلك سيؤدي لا محالة إلى حظوظ أوفر.

    Liked by 1 person

  2. وجهة نظر سديدة هاجر، لن يسعني إلا أن أؤيدك على هذا الرأي الحكيم فعلا. أما عن نصائح الأستاذ القدير مراد زروق لم و لن تفارقنا أبدا لأنها فعلا تضرب في صميم الواقع الذي نعيشه وستظل معنا وقت طويل. لكنني أريد أن أضيف فقط شيئا ما على تعليقك، وأذكر فقط أنه بالإمكان مزاولة الترجمة الحرة “فريلانس” بالتزامن مع التكوين الآخر ويكون في نفس الوقت هو ممولك للتكوين الآخر، أتحدث انطلاقا من تجربتي الخاصة فهذا هو شهري الخامس في الترجمة الحرة ولم تكلفني أي عناء، لقد اشتغلت هذه السنة ثلات مرات كلها بالتوازي مع الترجمة الحرة. بالتوفيق في المسيرة التكوينية الجديدة الذي أرى أنها ستثري فعلا تكوينك كمترجمة ولحديثنا بقية قريبا إن شاء الله، شكرا جزيلا على التعليق.

    إعجاب

  3. من بعد الحصول على دبلوم الترجمة حسب ما أواجه وما شاهدت لا يوجد شيء غير الإنظمام إلى صفوف الإخوة العاطلين بالمغرب هذا هو الباب الوحيد المفتوح في وجه الخريجين بالأخص الذين في مثل حالتي يعيشون في مدينة لا فرص عمل فيها و لاتصلح إلا للمتقاعدين كما لا ولن تتاح لهم الفرصة السفر لمدينة أخرى

    إعجاب

    • يا فاطمة الزهراء.. ما لنا والتشاؤم “تفاءلوا بالخير تجدوه” أليس هكذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام. و بمناسبة تخرج فوجكم هذه السنة وأظنها فرصة مناسبة، سأخصص مقال “صغير” قريبا جدا سألخص فيه بعض النقاط التي يجب على الخريجين حديثا، ولا أستثني نفسي، اتباعها وسأرفق جميع الطرق، حسب تجربتي، التي يجب اتباعها لكي تضاعف وتضاعفي حظوظك في العمل مع وكالات الترجمة الاسبانية ريثما تسنح الفرصة لعمل أفضل، ربما الكل يميل للعمل مع الدولة، التعليم مثلا والذي بالمناسبة ستخرج المذكرة للوجود في الأيام القلية المقبلة إن لم أقل غدا أو بعد غد ومن المرجح أن تكون اللغة الإسبانية من ضمن اللائحة (رغم أنني أؤمن بأن مهنة المترجم الحر اسم على مسمى ويمكن أن يستقل بها المرء بذاته اقتصاديا). المقال سيكون عمليا: سأدرج جميع الصفحات و وكالات الترجمة من حيث يجب أن نبدأ البحث لكي تعم الفائدة بين الجميع والله ولي التوفيق.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s